الملا فتح الله الكاشاني
402
زبدة التفاسير
* ( يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ) * « 1 » ، وقوله : * ( يَطِيرُ بِجَناحَيْه ) * « 2 » . وفضل التنبيه على أنّ العمى الحقيقي مكانه القلب ، لا المتعارف الَّذي هو البصر . وتوضيحه : أنّ الَّذي قد تعورف واعتقد أنّ العمى على الحقيقة مكانه البصر ، وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها ، واستعماله في القلوب استعارة ومثل . فلمّا أريد إثبات ما هو خلاف المعتقد من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة ونفيه عن الأبصار ، احتاج هذا التصوير إلى زيادة تعيين وفضل تعريف ، ليتقرّر أن مكان العمى حقيقة هو القلوب في الصدور لا الإبصار ، كما تقول : ليس المضاء للسيف ، ولكنّه للسانك الَّذي بين فكّيك . فقولك : « الَّذي بين فكّيك » تقرير لما ادّعيته للسانه وتثبيت ، لأنّ محلّ المضاء هو هو لا غير . روي : أنّه لمّا نزلت : * ( ومَنْ كانَ فِي هذِه أَعْمى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمى ) * « 3 » ، قال ابن أمّ مكتوم : يا رسول اللَّه إنّما أنا في الدنيا أعمى ، أفأكون في الآخرة أعمى ؟ فنزلت : « فَإِنَّها لا تَعْمَى الأَبْصارُ ولكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ » . ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ ولَنْ يُخْلِفَ اللَّه وَعْدَه وإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ( 47 ) ثمّ أنكر استعجالهم بالعذاب المتوعّد به عاجلا أو آجلا ، فقال : * ( ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ ) * المتوعّد به * ( ولَنْ يُخْلِفَ اللَّه وَعْدَه ) * لامتناع الخلف في خبره ، فيصيبهم ما أوعدهم به ولو بعد حين ، لكنّه صبور حليم لا يعجل بالعقوبة . ثمّ بيّن تناهي صبره ، وتأنّيه في أموره ، فقال استقصارا للمدد الطوال : * ( وإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) * يعني : من حلمه ووقاره ، واستقصاره المدد الطوال ، أنّ
--> ( 1 ) آل عمران : 167 . ( 2 ) الأنعام : 38 . ( 3 ) الإسراء : 72 .